الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
46
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فإنّ ذلك أسّ الدين القويم ، ولما كان الكلام المتقدم مشتملا على تعريض باليهود والنصارى الذين كذبوا بالقرآن ، وإبطال لقول وفد نجران لما طلب منهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلم - الإسلام - « أسلمنا قبلك » فقال لهم : « كذبتم » روى الواحدي ، ومحمد بن إسحاق : أنّ وفد نجران لما دخلوا المسجد النبوي تكلم السيد والعاقب فقال لهما رسول اللّه : « أسلما » قالا : « قد أسلمنا قبلك » قال : « كذبتما ، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما للّه ولدا ، وعبادتكما الصليب » ، ناسب أن ينوّه بعد ذلك بالإسلام الذي جاء به القرآن ، ولذلك عطف على هذه الجملة قوله : وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ . واعلم أنّ جمل الكلام البليغ لا يخلو انتظامها عن المناسبة ، وإن كان بعضها استئنافا ، وإنّما لا تطلب المناسبة في المحادثات والاقتضابات . وتوكيد الكلام بأن تحقيق لما تضمنه من حصر حقيقة الدين عند اللّه في الإسلام : أي الدين الكامل . وقرأ الكسائي أن الدين - بفتح همزة أنّ - على أنّه بدل من أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [ آل عمران : 18 ] أي شهد اللّه بأنّ الدين عند اللّه الإسلام . والدين : حقيقته في الأصل الجزاء ، ثم صار حقيقة عرفية يطلق على : مجموع عقائد ، وأعمال يلقّنها رسول من عند اللّه ويعد العاملين بها بالنعيم والمعرضين عنها بالعقاب . ثم أطلق على ما يشبه ذلك مما يضعه بعض زعماء الناس من تلقاء عقله فتلتزمه طائفة من الناس . وسمّي الدين دينا لأنّه يترقب منه متّبعه الجزاء عاجلا أو آجلا ، فما من أهل دين إلّا وهم يترقّبون جزاء من رب ذلك الدين ، فالمشركون يطمعون في إعانة الآلهة ووساطتهم ورضاهم عنهم ، ويقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه ، وقال أبو سفيان يوم أحد : اعل هبل . وقال يوم فتح مكة لما قال له العباس : أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا اللّه : « لقد علمت أن لو كان معه إله غيره لقد أغنى عنّي شيئا » . وأهل الأديان الإلهيّة يترقّبون الجزاء الأوفى في الدنيا والآخرة ، فأول دين إلهي كان حقا وبه كان اهتداء الإنسان ، ثم طرأت الأديان المكذوبة ، وتشبّهت بالأديان الصحيحة ، قال اللّه تعالى - تعليما لرسوله - لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [ الكافرون : 6 ] وقال : ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [ يوسف : 76 ] . وقد عرّف العلماء الدين الصحيح بأنّه « وضع إلهيّ سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير باطنا وظاهرا » .